العفوية والرسميه … جمال الاعتدال

ليس كل دعوة إلى العفوية فضيلة، كما أن كل مظهر من مظاهر التنظيم ليس تكلفًا. فالحياة لا تستقيم بالمثالية الزائدة، كما لا تصح بالميّانة المفرطة؛ إذ كلاهما يفسد المعنى حين يتجاوز حدّه.
العلاقات العائلية بطبيعتها رحبة، تتسع للعفوية حينًا وللرسمية حينًا آخر، فلكل مقامٍ مقال، ولكل مناسبةٍ ما يليق بها من التعبير. فإذا رأى قومٌ أن يكرّموا ناجحًا بكلمةٍ تُقال أو منصةٍ تُقام أو هديةٍ تُسلَّم، فليس في ذلك ما يُجمد العاطفة أو يطفئ دفء القربى، بل قد يكون في ذلك إظهارٌ لمعنى التقدير، وصونٌ لقيمة الإنجاز.
وليس من الإنصاف أن تتحول وسائل التعبير إلى موضع اتهام؛ فالميكروفون لا يخلق التكلف، كما أن المنبر لا يقتل العفوية. إنما العبرة بصدق القلوب لا بأدوات الكلام.
كما أن للإنسان حقه في أن يلبس ما يشاء في حدود المقبول واللائق؛ فمن رأى في البشت هيبةً للمقام فذلك خياره، ومن آثر البساطة فذلك شأنه. فاللباس لغة، والناس يختارون لغاتهم بما يرونه مناسبًا للموقف.
إن المشكلة ليست في المظهر ولا في العفوية، بل في الإفراط. فالتكلف إذا طغى أفسد المعنى، كما أن التبسيط إذا جاوز حدّه أفرغ المناسبات من قيمتها، حتى يغدو التكريم كأنه أمر عابر لا وزن له.
ثم إن الماضي الذي يُستدعى بوصفه زمن الصفاء الخالص لم يكن جنةً بلا شوائب؛ فقد عرف – كما نعرف اليوم – الخلاف والقطيعة والنقد والمعاناة. غير أن الفارق أن وسائل التعبير كانت أقل، أما اليوم فقد اتسعت، وبقي على الناس أن يحسنوا استخدامها دون أن يحاكموا بعضهم بعضًا على أساليبهم.
فالجمال كل الجمال في الاعتدال:
عفويةٌ لا تبتذل المعنى،
وهيبةٌ لا تتورط في التكلف،
وكرمٌ يُعبَّر عنه بما يليق بالمقام، دون وصايةٍ على الناس في طرائقهم .