العيد… فرصة وصل، ومسؤولية تنظيم، وميزانٌ للنفوس»

مع اقتراب ختام شهر رمضان، يبدأ الأب والأم في تهيئة البيت ليكون أول محطة يلوذ بها الأبناء والبنات والأحفاد صباح عيد الفطر المبارك. فذلك الصباح ليس مجرد وقت للمعايدة، بل لحظة دفءٍ تُستعاد فيها الروح، ويُستأنس فيها بقرب الوالدين والإخوة والأخوات، وتُستعاد فيها ذاكرة البيت الأول الذي لا يشيخ.
وبعد أن تكتمل فرحة اللقاء، يحين دور الجيران، فيخرج الأب – إن كان حيًّا – أو الإخوة المتحابّون بعد رحيله، متجهين إلى الأقرب فالأقرب من البيوت، تلك التي تفتح أبوابها منذ ساعات الصباح الأولى، سواء كانت منازل مستقلة أو شققًا في مبانٍ سكنية، فالعيد لا يكتمل إلا بسلامٍ يُطرق به باب الجار.
ثم يأتي وقت زيارة الأعمام والأخوال في الأحياء المجاورة، أولئك الذين حالت كثرة المهنئين أو العجز والمرض دون حضورهم. فصلة الرحم لا تُؤجَّل، والقلوب التي تنتظر السلام لا تُترك وحيدة.
وبعدها تمتد خطوات المعايدة إلى الأقارب من الدرجة الأولى، ثم الفخذ، ثم فروع القبيلة، مهما ضاق الوقت أو كثرت الالتزامات. فهذه المناسبات – الخاصة منها والعامة والموسمية – ليست مجرد طقوس اجتماعية، بل فرص ذهبية لإحياء الوصل، وتجاوز ما قد يعلق في النفوس من مواقف أو خلافات. ففي الأعياد ومجالس الأفراح والملتقيات ، ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه، وأن يقدّم المجاملة على الغضب، والابتسامة على العتب، واللين على القطيعة.
فإن صادف أخًا أو ابن عم أو خالًا أو صديقًا بينه وبينه ما بين القلوب من رواسب، فليستبدل ملامح الجفاء بلطفٍ وملاطفة، وعلى الطرف الآخر أن يفتح صدره للسلام وحسن الرد. فالمجاملة – مع الوقت – تُلين القلوب، وتُذيب ما تراكم من سوء فهم، وتُعيد للنفوس صفاءها. ولأجل لحظة تصالح صادقة، يهون الغالي، فبعض القلوب أثمن من الدنيا وما فيها.
وفي خضم هذه الروح الاجتماعية الراقية، لا بد أن نستحضر نعمةً عظيمة نعيشها جميعًا: نعمة الأمن والأمان، ورغد العيش، في ظل قيادة حكيمة جعلت الإنسان محور اهتمامها، وحرصت على تجنيب الوطن والمواطن الفتن ما ظهر منها وما بطن، وحماية موارد البلاد وصون مقدراتها بسلاح العلم والدين والعقيدة، وبالسمع والطاعة لولي الأمر وولي عهده.
ومع هذه النعم الجليلة، نستقبل الأعياد والمناسبات الوطنية بقلوبٍ شاكرة، نتغنّى بالإنجازات، ونفخر بما أثمرته من ألفة ومحبة، وسباقٍ محمودٍ إلى ميادين الخير، حيث يتسابق أبناء الوطن ليكون كلٌّ منهم لبنةً في بناء هذا الكيان العظيم.
وهنا لا بد من التوقف عند جانبٍ بالغ الأهمية في إعداد لقاءات العيد على مستوى خاص او عام :
دور المنظّمين.
فعلى أيديهم يتحقق النجاح، وبحسن تدبيرهم تُخلق أجواء التقارب، أو – لا قدر الله – قد ينشأ التباعد إن غاب الاتزان. ومن واجبهم تجنّب التركيز على شخصيات بعينها بالمدح أو الثناء أو المبالغة في التقدير. فالجميع – مهما علت مناصبهم – إخوة يجلسون في مجلس واحد، ويُقدَّم لهم ما يُقدَّم لغيرهم دون تمييز.
كما يجب منع المزاح الزائد، وتجنّب الإسقاطات، وتوحيد عدد الصور الملتقطة لكل شخص، فصورة واحدة تكفي. أما اللقاءات المسجّلة، فينبغي أن تكون محددة الهدف، مختصرة، غير مكررة، تُعنى بزيادة الإقبال على الملتقى السنوي، لا بتكرار الشكر لفلان وفلان. فالجميع لهم قدرهم، والجميع لهم دورهم في الدعم والمساندة.
ومتى تُرك المجال للمشاركة – معنوية كانت أو مالية – دون إلحاح أو إلزام، رأيت الناس يتسابقون إلى الخير، ويتنافسون في العطاء، فالقناعة تُثمر ما لا يخطر على البال، والقلوب إذا أُحسِن خطابها سبقت إلى المكرمات.