لا تثق بالتأمين وتخسر قرابتك

في زمنٍ تتسارع فيه الأنظمة وتُسنّ فيه التشريعات، جاء إقرار التأمين الإلزامي كتحوّلٍ مهم، لكنه في الوقت ذاته كشف عن معادن الرجال. فبين من رأى فيه بابًا للكسب والمنافسة على الظهور، ومن انشغل بما يُسمّى بـ“الفُرق”، تظل الحقيقة أسمى من ذلك كله؛ إذ إن هذه المهام ليست ميدانًا للمباهاة، ولا وسيلةً لنيل الألقاب، بل أمانة لا يحملها إلا قلبٌ رحيم، يسعى للتيسير لا للتعقيد، وللجمع لا للتفريق.
وأذكر أني كنت في مجلس أحد الزملاء، حين حضر رجل بدا أن له حاجة خاصة، فاستأذنت لأفسح له المجال، غير أن صاحبي أصرّ على بقائي. وما هي إلا لحظات حتى بدأ الضيف حديثه قائلاً: “أما علمت بفلان؟ له سنتان في حالٍ لا يعلم به إلا الله.” فاستفسر صاحبي، ليأتي الجواب صادمًا: “ابنه تسبب في حادثٍ أودى بحياة رجل، وما زال في السجن، والغريب أنكم لم تقفوا معه!”
وقع الخبر كالصاعقة، وأبدى صاحبي دهشته، مؤكدًا أن الرجل معروفٌ بوفائه وطيب معدنه. انتهى المجلس، لكنه لم ينهِ أثر ما سمعناه. وفي اليوم التالي، دعاني صاحبي لمرافقته في زيارة، فوافقت.
توجهنا إلى والد الشاب، فاستقبلنا بحفاوة وكرم، ولم يُبدِ شكوى، بل حمد الله على كل حال. غير أن صاحبي بادره بالسؤال عمّا بلغه، فصمت الرجل طويلًا، وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال، ثم أقرّ بالحقيقة: ابنه في السجن منذ عامين، وخروجه مرهون بسداد الدية.
وحين سُئل: لماذا لم تُخبرنا؟ كان الجواب مؤلمًا وصادقًا: “كيف أخبرك، وبيننا ما كان من شد وجذب بسبب التأمين؟ وكيف أُظهر حاجتي بعد أن تأخرت في مواقف سابقة؟”
هنا تجلّت معاني الوفاء الحقيقية. لم يقف صاحبي عند الماضي، ولم يُثقل كاهله بالعتب، بل حدّد له موعدًا، وجمع له جماعته، وعرض قضيته، فما قام المجلس إلا وقد سُدّت حاجته، وانفرجت كربته، وأُنجز ما يعيد ابنه إلى الحياة من جديد.
وعند العودة، تساءل الرجل بامتنان: “كيف لقيت منك هذا الاستقبال، وأنا لم أُقدّم لكم شيئًا يُذكر؟” فكان الرد درسًا بليغًا: “الوفاء لا يُقاس بما يُدفع، بل بما يُحفظ في القلوب. وما كان بيننا لم يطّلع عليه أحد، ولكن المعروف لا يضيع.”
إن من يحمل همّ جماعته، ويسعى لخدمتهم، لا يقف عند صغائر الأمور، ولا يُحصي المواقف، بل يُكمل ما عليه، ويحتسب الأجر عند الله. فبالتعاون، وتجاوز الخلافات، وإحياء روح القربى، تُبنى المجتمعات، وتُصان القيم، ويظل الوفاء هو العنوان الأجمل بين أهله.