• ×
السبت 23 شوال 1447 | منذ 2 يوم
تعريف الكرم

-

حين يعاد تعريف الكرم

image

اعتدتُ على ملتقياتٍ كان يعلو فيها صوت التحدي، وتتنافس فيها الهمم على الصدارة، حيث تُبذل الأموال بسخاء، لا لقيمتها في ذاتها، بل لما تمنحه من سُمعةٍ ومكانةٍ وشهامة. كانت “مزارق الطيب” ميدانًا يُختبر فيه الكرم، وتُقاس فيه الرجولة بقدر ما يُقدَّم لا بما يُقال.

غير أنني، حين انضممتُ إلى هذا الملتقى، وجدتُ روحًا مغايرة؛ روحًا تميل إلى الاعتدال، وتؤثر المعقول في التنظيم، وتُعلي من شأن التساوي في المساهمة، وتغلب الطابع الودي على الرسمي. مشهدٌ لفتني وأسرني، حين دخل شيخ الشمل مقر الملتقى رجلًا بسيطًا متواضعًا، متجردًا من مظاهر الوجاهة، فصافحَ جميعَ الحضور، ثم جلس بينهم يتابع ويشجع ويبارك، ثم يغادر كما دخل، في صورةٍ جسدت معنى القدوة قبل المكانة.

هذا الموقف أشعل في نفسي تقديرًا عميقًا، وحماسةً صادقة، دفعتني للإعلان عن دعمي بمبلغٍ كريم، ظنًا مني أن المبادرة ستُقابل بحفاوةٍ تُذكي الحماس، وربما تدفعني إلى مزيدٍ من العطاء. غير أن الرد جاء على خلاف ما توقعت؛ كان ردًا متزنًا، عقلانيًا، يحمل تقديرًا للمبادرة، لكنه يصرّ على بقاء الملتقى على نهجه القائم على تقاسم التكلفة بالتساوي بين الجميع، دون استثناء، حتى الشيخ نفسه.

بل ذهبوا أبعد من ذلك، حين طلبوا أن يُوجَّه المبلغ إلى مصارف الخير، وأن أُشركهم الأجر، في موقفٍ يعكس صفاء النية، ونُبل المقصد، وتجردًا نادرًا من مظاهر التفاخر.

عندها، لم يكن أمامي إلا أن أُوقِّر هذا الرأي احترامًا، وأن أمتثل له تقديرًا، رغم ما صاحبني من مرارة الرفض المهذب؛ مرارةٌ خففها إدراكي أنني أمام تجربةٍ تُعيد تعريف الكرم، لا بوصفه تنافسًا على العطاء، بل شراكةً في الأجر، وتكافؤًا في الحضور، ونبلًا في المقصد.
بواسطة : تعريف الكرم
 0  0  83
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:28 مساءً السبت 23 شوال 1447.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

الحقوق محفوظة @ hopish.net