بين قدر البدايه واختيار الطريق

كبروا… ولم ينتبهوا متى انتهت تلك المرحلة التي كانت الحياة فيها خفيفة، لا وزن لها في قلوبهم.
في الطفولة، كانوا يعيشون بلا حساب، لا يفكرون في غدٍ ولا يحملون همًّا، حتى دخلوا المدرسة، فبدأت الأعين تتفتح على عالمٍ آخر؛ عالمٍ مليء بالوجوه والأنظمة والاختلافات.
هناك، أدركوا أن الحياة ليست واحدة للجميع.
فيهم اليتيم الذي يسكن بيت جدٍ أو خالٍ أو عم، يحمل ما لا يُرى من نقصٍ وحنين.
وفيهم من مزقته الخلافات بين والديه، فصار بينهما غريبًا، لا يستقر في مكان.
وآخرون يعيشون مع والديهم، لكنهم أقرب إلى اليتم، غاب الاهتمام وحضرت الحاجة.
وفي المقابل، فئة لم تعرف إلا الدلال، لا يشغلها من الدنيا إلا مظهرها وما تملك.
ومضى العمر… لكن البدايات لم تمضِ،
بل كبرت معهم، وتشكلت منها طرقهم.
فمنهم من أثقلته الظروف فانحرف، ومنهم من صقلته الحاجة فاشتد عوده، وتعلم كيف يبني نفسه رغم قسوة الطريق.
ورغم كل ما رأوه…
ذكورًا وإناثًا، عاشوا نفس المشاهد، ولمسوا آثار التشتت، ورأوا كيف ينعكس على الأبناء ونتاج الأسر.
فلماذا لا يتعلمون؟
لماذا يكررون ذات الأخطاء، وكأن التجارب لم تكن كافية لتوقظ فيهم الوعي؟
أليس الأولى أن يحافظوا على بيوتهم،
وأن يكملوا مشوار الحياة دون شتات،
وأن يصنعوا بيئةً أكثر نضجًا، لا تعيد أخطاء الجيل الماضي،
بل تحمي جيل المستقبل منها؟
الحياة لا تسير على هوى أحد،
ولا تنحني لرغبات المثاليين،
ولا تُدار كما تُرسم في عقول المنظرين.
هي قدرٌ يولدون فيه…
لكنها ليست قيدًا كاملاً.
فداخل هذا القدر، مساحةٌ ضيقة، لكنها كافية…
يختارون فيها:
إما أن يكونوا امتدادًا لما حدث لهم،
أو بدايةً لما يريدون أن يصبحوا عليه.
رأوا الألم بأعينهم… ثم سلّموه لأبنائهم بأيديهم.