• ×
الإثنين 10 ذو القعدة 1447 | منذ 18 ساعة
بين العطاء والخذلان

-

بين العطاء والخذلان

image

لا توجد حياة مثالية بنسبة 100٪… حقيقة نرددها كثيرًا، لكننا لا نستوعب معناها إلا حين تختبرنا التجربة، وتضعنا أمام نتائج لم تكن ضمن حساباتنا.

في كثير من العلاقات، لا يكون الخلل في غياب العطاء، بل في اختلاف تعريفه. فكل طرف يرى أنه قدّم أكثر مما أخذ، وأنه تحمّل ما لا يراه الآخر أو لا يقدّره بالقدر نفسه.

فالزوجة ترى صبرها، وإنجابها، وتحملها لما لا يُقال من أعباء نفسية وجسدية، وتعدّ ذلك أساس الاستقرار.
والزوج يرى كدحه، وسعيه، وبناءه، وإنفاقه، وتحمله لمسؤولية المعيشة بكل تفاصيلها، خاصة مع تزايد متطلبات الحياة.

هي ترى… وهو يرى…
والمشكلة ليست دائمًا في العطاء، بل في زاوية النظر إليه، وفي غياب لغة مشتركة تُنصف الجهد من الطرفين.

ثم يأتي عامل آخر يزيد الصورة تعقيدًا:
المجتمع لا يرحم.
سواء كان التتبع والنقد مباشرًا، أو عبر برامج التواصل، فإن التفاعل غالبًا لا يداوي الجرح، بل يؤججه. تتحول القصة إلى حديث عام، ويُدفع الأطراف – أحيانًا – إلى مواقف أكثر حدة تحت ضغط الرأي والتعليق.

ومع حضور الإعلام الجديد، تظهر زاوية لا يمكن تجاهلها؛
بعض الطرح يختزل العلاقة في مكاسب وخسائر، ويضخم حالات معينة حتى تُفهم وكأنها الأصل، فيضعف الصبر عند البعض، وتُتخذ قرارات مصيرية دون تقديرٍ كافٍ لعواقبها.
وفي المقابل، هناك حالات يكون فيها الانفصال ضرورة لحفظ الكرامة أو رفع ضررٍ حقيقي، فلا يصح إنكارها أو التقليل من شأنها.

ومع الحديث عن الضغوط الاقتصادية، يبرز جانبٌ آخر يستحق التأمل؛
فالدعم الحكومي، كبرامج الضمان الاجتماعي وحساب المواطن وحافز، وُجد أساسًا ليكون سندًا للمحتاج، وشبكة أمان تحفظ كرامة المتضرر وتعينه على تجاوز ظروفه.

غير أن الإشكال لا يكمن في أصل هذه البرامج، بل في كيفية فهمها والتعاطي معها. ففي حالات محدودة، قد يُساء تقدير أثرها، فيُنظر إليها كخيارٍ بديلٍ للدخل الأسري، أو كطريقٍ مختصرٍ لتجاوز الضغوط، مما قد يدفع بعض القرارات إلى مسارات غير متزنة.

وهنا لا مجال للتعميم، لكن المؤكد أن أي قرار يُبنى على حسابات آنية دون نظرٍ إلى تبعاته الأسرية، قد يفتح بابًا لتفككٍ كان بالإمكان تجنبه، خاصة إذا تحوّل الاعتماد من الشراكة داخل الأسرة إلى الاكتفاء بمصدرٍ خارجي، مع تراجع دور أحد الأطراف في حياة الأبناء.

ولا يمكن إغفال دور المستشارين والمحامين، الذين يفترض أن يكونوا عناصر إصلاح قبل أن يكونوا أدوات حسم. فهذه المهن وُجدت لحفظ الحقوق، ولمّ الشمل متى ما كان ذلك ممكنًا.
إلا أن هذا الدور قد يصطدم أحيانًا بكبرياء أحد الأطراف، فيُرفض التدخل، كما أن بعض الممارسات قد تميل إلى إدارة النزاع بمنطق الربح والخسارة أكثر من السعي للإصلاح، فيُختصر الطريق إلى النهاية بدل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتزداد التعقيدات حين تتداخل المطالب مع الواقع؛
طلب تحسين المعيشة، السعي لتأمين منزل، تحمل التكاليف، الجمع بين التزامات متعددة… حتى تتحول الحياة إلى ضغط متواصل، لا يجد معه الطرفان فرصة كافية للمراجعة أو التهدئة.

ثم تأتي لحظة كان يُفترض أن تكون حصاد السنوات، فإذا بها تتحول إلى مفترق طريق؛ طلب انفصال، رفض، ثم لجوء إلى القضاء، وإصرار على إنهاء العلاقة رغم تاريخ طويل مشترك.

وهنا يبرز السؤال الأهم:
هل الخلل في قلة العطاء؟ أم في اختلاف فهمه؟ أم في ضجيج الخارج؟ أم في غياب المعالجة المبكرة قبل أن تتراكم الفجوة؟

الحقيقة أن كثيرًا من الانكسارات لا تأتي من نقص الجهد، بل من غياب التوازن في التقدير، ومن تراكمات صغيرة لم تُعالج في وقتها، ومن تدخلات تُشعل أكثر مما تُصلح.

وفي النهاية، تبقى العلاقات الإنسانية أعقد من أن تُختصر في طرف مخطئ وآخر مصيب. لكن المؤكد أن الوعي، والعدل في النظر، وحفظ الخصوصية، وتقديم الإصلاح على التصعيد… كلها مفاتيح قد لا تمنع كل خلاف، لكنها بلا شك تقلل من خسائره، وتحفظ ما يمكن حفظه قبل فوات الأوان.
بواسطة : بين العطاء والخذلان
 0  0  3
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:45 مساءً الإثنين 10 ذو القعدة 1447.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

الحقوق محفوظة @ hopish.net