الكرم بين العادة وسوء الفهم

الكرم، والعادات، والتقاليد من أبرز صفات العرب، واحترامها واجب. فحين تكون في مدينة أو قرية أو بين قبيلة، فإن من الذوق والوعي أن تلتزم بما لديهم من أعراف، لا أن تفرض عليهم ما اعتدت عليه، إلا بعد استئذان وقبول.
ومع ذلك، يظهر بين حين وآخر من ينتقد بعض صور الكرم، خصوصًا ما يُعرف بـ”العزومة الخاصة” التي يوجهها المضيف للضيف على هامش مناسبة عامة أو خاصة. فيُصوَّر هذا الفعل على أنه تصرّف غير لائق، ويُستهزأ به، بل ويُضخَّم عبر مقاطع مرئية أو روايات قد لا تعكس الحقيقة كاملة.
ويتساءل البعض: لماذا يحرص البعض على إعلان العزومة أمام الجميع؟
والأصل أن الضيف معروف، فإن قبل الدعوة أُعلن الأمر ببساطة، وإن اعتذر انتهى الموضوع دون إحراج أو مبالغة أو استعراض، ودون الدخول في حلفٍ أو إلحاحٍ قد يوقع أحد الطرفين في الحرج أو الإثم.
ولعل المشكلة ليست في العزومة ذاتها، بل في سوء التصرف المصاحب لها.
ففي موقفٍ واقعي، التقى رجل بقريب له بعد صلاة الجمعة، فدعاه للغداء في منزله، وهو رجل محدود الدخل كحال كثير من الناس. وافق الضيف، ومضى معه. وأثناء تجهيز الطعام، بادر الضيف بالاتصال بعدد من معارفه وأقاربه، حتى امتلأ المجلس بمن لم تُوجَّه لهم الدعوة أصلًا. فاضطر المضيف إلى التوسّع على غير استطاعته، في موقفٍ لا يخلو من الحرج والتكلّف.
هذا التصرف لا يُعد كرمًا، بل تجاوزًا لحق المضيف، كما أن استجابة المدعوين لمثل هذه الدعوات دون تثبّت تُعد مشاركة في الإحراج.
ثم يأتي من يتساءل: لماذا تغيّر الناس؟ ولماذا قلّت العزائم؟
والجواب ببساطة: بعض التصرفات الخاطئة أغلقت أبواب الخير، وأثقلت على أهل الكرم، حتى أصبح الحذر مقدّمًا على المبادرة.
فالإنسان العاقل لا يُلام إن تجنّب دعوة قد تضعه في موقفٍ محرج، ولا إن اقتصر على من يعرف تقدير الدعوة واحترام حدودها. لأن الكرم لا يكتمل إلا بحسن التصرف من الطرفين: داعٍ يقدّر، وضيفٍ يراعي