• ×
الجمعة 14 ذو القعدة 1447 | منذ يوم
حين تُدار العدالة بعقلٍ لا بسلط

-

حين تُدار العدالة بعقلٍ لا بسلطة

image

في ذاكرة العمل، تبقى بعض المراحل شاهدة لا تُنسى، ليس لطولها، بل لعمق أثرها. ومن أجمل تلك المراحل، ما يُقضى في شؤون الموظفين والقوى العاملة — التي تُعرف اليوم بالموارد البشرية — وفي أروقة المجالس التأديبية؛ حيث تتقاطع الأنظمة مع الإنسان، وتُختبر العدالة في أدق تفاصيلها.

هذه الأقسام ليست مجرد وحدات تنظيمية، بل هي روح الإدارة الحقيقية. فيها تُصاغ القرارات التي تمسّ كرامة الموظف، واستقراره، ومستقبله الوظيفي. ومن يعمل فيها لا يكفيه الإلمام بالأنظمة، بل يحتاج إلى وعيٍ إنساني، واتزانٍ في الحكم، وقدرةٍ على استيعاب الظروف قبل إصدار القرار. فالتسرع هنا ليس خطأً عابرًا، بل قد يكون ظلمًا يمتد أثره لسنوات.

وتبقى القيادة هي الفارق الحاسم. فمدير الإدارة حين يكون حليمًا، ثابتًا، لا تهزه الضغوط ولا تؤثر عليه الأصوات المحيطة، ينعكس ذلك على بيئة العمل بأكملها. حينها، لا يعمل الموظفون تحت وطأة الخوف، بل بروح الفريق، ويجدون في النظام حماية لا تهديدًا، وفي الإدارة سندًا لا خصمًا.

وفي القضاء الإداري، كما في أنظمة المجالس التأديبية، لم تُشرّع الإجراءات عبثًا، بل جاءت لتمنح الموظف فرصة عادلة: أن يوضح موقفه، ويعرض أسبابه، ويدفع عن نفسه ما قد يُفهم خطأً. الغاية ليست العقوبة بحد ذاتها، بل الوصول إلى الحقيقة، وتقدير الظروف، وتحقيق العدالة بأخف الأضرار الممكنة.

لكن الإشكال يبدأ حين تتحول السلطة إلى غاية، لا وسيلة. حين يُضيَّق على الموظف، وتُغلق أمامه أبواب التبرير، لا لشيء إلا لإثبات الهيبة أو فرض السيطرة. هنا تفقد الأنظمة روحها، وتتحول العدالة إلى إجراء شكلي، لا قيمة له في ميزان الإنصاف.

إن العدالة الإدارية لا تُقاس بشدة القرارات، بل بسلامتها. ولا تُبنى على إظهار القوة، بل على ترسيخ الثقة. فالموظف الذي يشعر بأنه سُمِع وفُهِم، حتى لو عوقب، يبقى مؤمنًا بالنظام. أما من يُقصى دون إنصاف، فخسارته لا تقف عنده، بل تمتد إلى بيئة عملٍ كاملة.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأهم: أن الإدارة العادلة لا تحتاج إلى أن تُظهر قوتها… لأن عدالتها هي أقوى ما فيها
بواسطة : حين تُدار العدالة بعقلٍ لا بسلط
 0  0  53
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:09 مساءً الجمعة 14 ذو القعدة 1447.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

الحقوق محفوظة @ hopish.net