حين يُرهق العطاء صاحبه

العطاء قيمة إنسانية عظيمة، وهو من أجمل ما يتحلى به الإنسان حين يكون نابعًا من قناعة ووعي واتزان. غير أن بعض الناس يخلطون بين الكرم وبين استنزاف الذات، فيتحول عطاؤهم من فضيلة راقية إلى نمط حياة يستهلك أعمارهم وطاقاتهم، حتى يجدوا أنفسهم في نهاية المطاف وحيدين، متعبين، يتساءلون: هل كان ما قدمناه خطأ؟
كثيرون يقضون سنواتهم في خدمة الزوجة والأبناء، وبر الوالدين، والوقوف مع الإخوة، ومساندة الأقارب، وتلبية متطلبات من ينتمون إليهم اجتماعيًا. يفتحون أبوابهم وقلوبهم وأوقاتهم ومواردهم للجميع، مؤمنين أن هذا البذل سيصنع مكانةً راسخة في القلوب، أو على الأقل سيُثمر تقديرًا صادقًا حين يحتاجون كلمة وفاء أو التفاتة سؤال.
لكن الواقع كثيرًا ما يكشف حقيقة مختلفة؛ فالعطاء حين يستمر بلا حدود واضحة، يتحول في نظر البعض من فضلٍ يُشكر عليه إلى أمرٍ معتاد يُنتظر حدوثه. ومع مرور الزمن، يفقد أثره الاستثنائي، ويصبح غيابه هو الملحوظ لا حضوره. فإذا اعتذر صاحبه يومًا، أو عجز، أو احتاج هو نفسه إلى من يسانده، فوجئ بأن كثيرًا ممن اعتادوا الأخذ لم يتعلموا العطاء بالمقابل.
وهنا لا يكون الخطأ في العطاء ذاته، بل في غياب التوازن. فالإنسان الذي يمنح بلا ضوابط، ويُسخّر نفسه للجميع، ويؤجل احتياجاته الخاصة باستمرار، قد يساهم من حيث لا يشعر في ترسيخ صورةٍ عنه بوصفه موردًا دائمًا متاحًا، لا إنسانًا له طاقته وحدوده واحتياجاته.
كما أن ربط الرضا الداخلي بتقدير الآخرين خطأ شائع. فالتقدير الحقيقي لا يُنتزع بكثرة التضحيات، ولا يُشترى بمراكمة المعروف. من قدّر الإنسان لذاته سيقدّره في حال القوة والضعف، في العطاء والعجز. أما من ارتبط به لمصلحته، فسيتلاشى حضوره حين تتوقف المنفعة.
إن المؤلم في بعض القصص الإنسانية أن صاحبها لا يكتشف هذه الحقيقة إلا متأخرًا، حين يجد نفسه وقد أفنى جزءًا كبيرًا من عمره في تلبية حاجات الآخرين، بينما أهمل بناء ذاته، وعلاقاته المتوازنة، واستقراره النفسي والمادي.
ومع ذلك، فالوصول إلى هذه القناعة ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية نضج متأخر. إذ يستطيع الإنسان في أي مرحلة أن يعيد ترتيب مفهومه للعطاء؛ فيعطي بمحبة، لكن بحدود. يساند، لكن دون أن يهدر نفسه. يبرّ ويصل ويكرم، لكن دون أن يجعل قيمته رهينة لرضا الناس.
الحكمة ليست في أن يمنح الإنسان كل ما لديه، بل في أن يعرف متى يعطي، ولمن يعطي، وبأي قدر يعطي.
فمن لا يحسن حفظ نفسه، قد يستيقظ يومًا ليكتشف أنه أنفق عمره يملأ أوعية الآخرين، بينما ترك وعاءه الداخلي فارغًا