• ×
الخميس 20 ذو القعدة 1447 | منذ 2 ساعة
الديات بين حفظ الحقوق وروح التسامح

-

الديات بين حفظ الحقوق وروح التسامح

image

لا أحد يبرر الجريمة أو يعين مرتكبها على جرمه مهما كانت الدوافع والظروف، فالحقوق لا تثبت إلا عبر الجهات القضائية المختصة، وبعد صدور الأحكام الشرعية والنظامية. غير أنه متى ما رضي أولياء الدم وقبلوا الدية، فإن ذلك يفتح بابًا واسعًا للخير، ويجعل السعي في الإصلاح وجمع الكلمة وبذل الجهد لتأمين حقهم عملًا محمودًا يحقق الطمأنينة لهم وينقذ نفسًا من الهلاك.

وحسن النية، وتجاوز دواعي الفرقة، والمضي في جمع الرأي وتوحيد الصف من قبل عاقلة الجاني، لا يتعارض مع السعي لإقناع أولياء الدم بتخفيف مبلغ الدية بما يتناسب مع القدرة المالية، تحقيقًا للمصلحة ودفعًا للمشقة. فإطالة أمد السجن بعد التنازل عن القصاص لا تعيد الراحل، ولا تحقق نفعًا يُذكر، بقدر ما قد تخلّف ضيقًا في النفوس، وتورث شيئًا من الجفوة والعداوة.

ومن المؤسف أن تُطرح أحيانًا مبررات تُفضي إلى رفع مبالغ الديات إلى حدود بالغة المشقة، مع التعذر برفض أحد أصحاب الحق للتنازل، رغم أن غالبية أولياء الدم قد يكونون قد أبدوا سماحةً وتنازلًا. فإن كانت الأنظمة تشترط إجماع أصحاب الحق فهذا أمر يُحتكم إليه، وإن لم يكن كذلك، فمن تنازل فله أجره وثوابه، ومن تمسك بحقه أُعطي حقه المشروع، دون حاجة إلى تضخيم المطالب أو تعليق الأمر على مبررات تُطيل أمد القضية وتزيد معاناة جميع الأطراف.

وكلما أبدى أولياء الدم مرونةً وسماحةً في التخفيف بعد تنازلهم، كان ذلك أدعى للقبول والتقدير في المجتمع، وأقرب لروح التكافل والتراحم التي حث عليها الشرع. فالإنسان لا يعلم ما تخبئه له الأقدار، وقد يجد نفسه يومًا في موقف يحتاج فيه إلى عفو الآخرين وتيسيرهم.

والتعامل بالرفق أصل عظيم؛ فكما أن العقوبة شرعت للزجر والتأديب وصيانة المجتمع، فإن مقصدها الأسمى الإصلاح واحتواء الشر، لا تعميق الأحقاد أو توسيع دائرة الألم.

ولو سُئل كثير ممن وقعوا في مثل هذه القضايا لقالوا إنهم لم يقصدوا إزهاق روح، وإنما كانت لحظة غضب، أو موقفًا لم يُحسنوا تقديره، أو دفاعًا عن النفس، ثم شاء الله أن تكون العاقبة وفاةً لم تكن في الحسبان. فليس كل من وقع في هذا الجرم كان ساعيًا إليه ابتداءً.

لذلك، من عزم على التنازل فليتوكل على الله، وليقبل بما قُرر نظامًا من الدية، أو ليكمل إحسانه بالعفو لوجه الله تعالى. وإن رأى عدم التنازل فهو حق مشروع لا يُلام عليه. وفي جميع الأحوال، فأولياء الدم مأجورون على صبرهم، ومثابون على عفوهم وإحسانهم، والله لا يضيع أجر المحسنين.
بواسطة : الديات بين حفظ الحقوق وروح التسامح
 0  0  31
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:49 صباحاً الخميس 20 ذو القعدة 1447.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

الحقوق محفوظة @ hopish.net