• ×
الأربعاء 16 شعبان 1447 | منذ 4 يوم

حروف وافكار ( د. ملحه عبدالله )

حروف وافكار ( د. ملحه عبدالله )
image

لا نعرف لماذا التصقت صفة الدمية بالمرأة عبر كل الاستلهامات، وعبر كل العصور الغابرة والحديثة، أذلك كونها عاجزة عن الفعل، أم أنها لعبة في يدي الرجل يلهو بها كيفما يشاء ومتى ما يشاء، بالرغم من انتصارها في كثير من المعالجات بالقدرة على الفعل وعلى التمرد؟

كثيرًا ما استخدمت الدمى في الدراما لكي تحمل العديد من المفاهيم والمدلولات المعرفية فيما وراء النص الدرامي، لتحمل هذه الدمى مشاعل التحولات الرمزية وكذلك الغرابة والدهشة، وهما أهم ما في العناوين الخبرية والدرامية أيضا.

لقد وجدنا ذلك في الأسطورة اليونانية القديمة "بجماليون" التي استلهمها الكاتب الإيرلندي جورج برنارد شو في نصه المسرحي بجماليون الذي أثار ضجة حين كتبه في أوائل عام 1912، وقدم لأول مرة عام 1913 في فيينا، ثم في لندن في عام 1914، ويحكي عن مأساة نحات قبرصي اسمه بجماليون، حين نحت تمثالا من العاج لامرأة فائقة الجمال تسمى جالاتيا، فأحبها حبا شديدا، فدعا ربه أن تصبح له زوجة ثم قبلها، وحينها دبت فيها الحياة وتجسدت حية أمامه في روعة من الجمال، ولكنها تمردت عليه لتتزوج بشاب فقير.

كما استلهمها الكاتب الكبير توفيق الحكيم في مسرحيته بجماليون والذي جعل النحات يعيدها سيرتها الأولى تمثالا جمادا، لشكه فيها بأنها تخونه.

وقد استلهمت العديد من النصوص الدرامية هذه الأسطورة في السينما أيضا كما في مسرحية سيدتي الجميلة التي قام ببطولتها الفنان الكبير فؤاد المهندس والفنانة شويكار. حين التقط معلم التثميل -في رهان جاد- تلك الفتاة الفقيرة من إحدى الشوارع تعمل في بيع الورد على الأرصفة لكي يحولها إلى سيدة من سيدات الطبقة الراقية؛ وحين كان له ذلك تمردت عليه طلبا للحرية والكرامة لتخرج من أسر الدمية إلى فضاءات الحرية الإنسانية، وكذلك نجد أن الكاتبة رجاء عالم قد استلهمت هذه الأسطورة في مسرحيتها صانع الدمى ولكنها لم تشر في نصها لهذا الاستلهام.

وفي الآونة الأخيرة نقرأ نصا روائيا للكاتب السعودي حامد الشريف بعنوان "مقتل دمية". والحقيقة أنه رغم تقارب المعنى في كل الأعمال المستلهمة للدمى التي كانت ترمز للمرأة، نجد أن المعالجة تختلف وتذهب بعيدا كنص سعودي إلى ما هو أبعد من الخلاص.

ولا نعرف لماذا التصقت صفة الدمية بالمرأة عبر كل هذه الاستلهامات عبر العصور الغابرة والحديثة، أذلك كونها عاجزة عن الفعل، أم أنها لعبة في يدي الرجل يلهو بها كيفما يشاء ومتى ما يشاء بالرغم من انتصارها في كثير من المعالجات بالقدرة على الفعل وعلى التمرد؟

ففي دمية الشريف نجده قد جعل تلك الفتاة بارعة الجمال "سارة"، تخرج من بلدها متوجهة إلى سويسرا بجواز سفر سنّه لها القانون بأن تكون هي مالكة زمام أمرها في ضوء النهضة السعودية الحديثة، التي أصبحت فيها المرأة تذهب متمكنة في ضوء ما تحصل عليه في ضوء رؤية التمكين في النهضة السعودية وإعطائها كل حقوقها من التمكين سواء في الميراث أو في القيادة والسفر وما إلى ذلك من حقوق، فبجواز سفرها تذهب بمفردها حاكمة أمرها وتقود سيارتها في حرية بمقتضاها تحصل على كامل تصرفها بوعي دائم ومطلوب ومشروط.

ومن هنا يتبادر لنا ذلك السؤال الدائم: هل نالت سارة حريتها بالفعل؟ والحقيقة أنها نالتها بتلك القوانين النهضوية الحديثة في المملكة، ولكنها ظلت حبيسة إرث اجتماعي جعلها أشبه بمريضة نفسية (اضطراب وجداني) تهذي كثيرا وتعيد ماضيها في كل مقطع من الرواية، تبحث عن وجودها وعن كيانها الذي وجدته في الغربة ولكن بمقدار لا يسمح لها بالسعادة المنشودة.

فبرغم وجودها بمفردها تقرر ما تشاء نجدها حبيسة إطار سنّه أخوها في حقها في الإرث الذي استولى على ميراثها بمباركة الأم التي تقول لها: "يا بنتي هذا أخوك الكبير والظفر عمره ما يطلع من اللحم"، فنجدها تقول حين سماعتها هذه الكلمات: "إنني أمقت بشدة هذه العبارات المتخلفة التي تجيز لهؤلاء المجرمين نهب أموالنا والتعدي على حقوقنا.. كان يظن -لفرط غبائه– أن هيأته تخفي جرائمه بحقنا في حين لم يمنعه ذلك من نهب مالي".

سارة مثقفة وفنانة تشكيلية بارعة ومتدينة، تهوى الجمال ولكنها تبحث عن الحب الذي لم تجده في بيت أهلها سواء في الأم أو في صورة الأب الذي لم يمنحها لمحة من ذلك الحب الذي تنشده تقول: "حتى والدي لم يبدِ محبته لي، لا أذكر أنه قبلني وإن على رأسي.. كنت أقرأ تلكم المشاعر في حدقتيه الذابلتين وكأنني أسمعه يراود بها نفسه ويتردد في نطقها حتى يغلب عليه خجله فيبتعد دون التصريح بها".

هذا الحب المفقود في البيت الصارم المعتقد أن الحب ضعف ومهانة حتى على الأبناء وهو ما يوقع بالأبناء مع أول لمس له عند الغرباء.

ثم تتطور محركات النفس المعذبة حتى تصل إلى الزوج حيث تقول "لا أصدق أن هناك من يؤمن مثل أمي أن الفتاة في زمن كزمننا ليس لها حق النظر إلى وجه زوجها! لا يربطهما سوى علاقة حميمية، لا تتملك حق الاستمتاع بها أو طلبها، عليها فقط انتظار هياجه لتمكنه من نفسها"!

ولذا هاجرت سارة تحمل في جعبتها كل هذا الإرث في الذات اللا واعية، تاركا أحفوريات متحجرة لديها، تعذبها وتنحت بداخلها فورانات من العنف والرغبة في الخلاص.

ومع أول لقاء بالشاب السويسري وتسمع منه كلمات لم تكن تعهدها ولم تسمعها من قبل توقد شعلة الحب المفقود لديها فتسقط على مراحل، المرحلة الأولى تجردها من نقابها وزيها الديني، ثم تسقط في نهاية الأمر لتفقد كل شيء في بئر سحيقة كانت أمها تخبرها على الهاتف أنها تراها تسقط فيها في منامها.

الكاتب هنا يخبرنا أنها قد حصلت على حقها الوجودي في الحياة سنّته القوانين؛ أولها قيادة السيارة والسفر بلا ولاية من أحد، فتذهب إلى أقصى الأرض (سويسرا) ولكنها ذهبت تحمل معها إرثا لم تتخلص منه كونها بالأمس القريب دمية لا تقوى على الفعل، وها هي اليوم قادرة عليه ولكن بشروط! وكأنه يخبرنا أن التحرر هو الخلاص من هذا الإرث النفسي أولا، حتى إذا منحنا الحقوق في الوجود نستطيع صنع أفعالنا بجدية وبشرف وبكمال.

إن سارة حين تحقق لها الحق في السفر وقيادة سيارتها بنفسها لم تتحرر من صدأ تكلّس بداخلها، وبذلك كان أول فعل لهذه الدمية -التي رسمها لنا الكاتب في صندوق خشبي كمعادل للشخصية- هو السقوط في براثن الضعف الأنثوي، فالشخصية لم تنضج بعد على مستوى الحق الذي مُنحت إياه، وهي معضلة كبيرة يناقشها الكاتب في روايته "مقتل دمية".

وفي هذه الرواية أيضا نجد ما يسمى بلسان حال الكاتب إذ نجد لسانه يخرج من دائرة الشخصيات إلى كونه كاتبا فيما يطرحه من فلسفة تجاه الإبداع والإلهام وما إلى ذلك، والوجود والحب والسلام.
بواسطة : admin
 0  0  12
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:29 صباحاً الأربعاء 16 شعبان 1447.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

الحقوق محفوظة @ hopish.net