محمد المرواني-صحيفة المدينه
تاريخ النشر: 08 مارس 2026 00:34 KSA
في شهرِ رمضانَ، يتسابقُ المسلمُونَ في كلِّ مكانٍ على إقامة موائد الإفطار ابتغاءَ الأجر.
ولا يقتصرُ مشهدُ الإفطار على مكانٍ دون آخرَ، لكنَّه يبقى تجربةً إنسانيَّة وروحيَّة يعيشها المسلمُونَ في كلِّ مكان، غير أنَّ لهذه التجربة في المدينة المنوَّرة طابعًا مختلفًا، وهدوءًا خاصًّا لا يشبه غيره. فبالقرب من المسجد النبويِّ يشعرُ الصَّائمُ أن لحظة الإفطار ليست مجرَّد تناول طعام، بل هي لحظة سكينة واطمئنان، وروح إيمانيَّة، ويزداد المشهدُ مهابةً حين تمتدُّ موائد الإفطار داخل الحرم، وفي ساحاته، محتضنةً مئات الآلاف، بل الملايين من الصَّائمِينَ على امتداد أيَّام الشهر، في صورةٍ مهيبةٍ يتجاور فيها النَّاسُ صفًّا واحدًا، يجمعهم الدُّعاء، وتوحِّدهم لحظة الغروب، قبل أنْ يبدأوا إفطارهم.
ويحافظ أهل المدينة على عادات رمضانيَّة جميلةٍ عبر الأجيال، ومن أبرزها إفطار أهل الحيِّ الذي يتمُّ تنظيمه غالبًا عبر جمعيَّات الأحياء، وبمبادرات من السكَّان أنفسهم. فلكلِّ حيٍّ طابعه الخاص في التنظيم، وترتيب الموائد.
ذاكرة رمضانَ، عبر أطباقه التي تحملُ نكهةَ المكان وذاكرته الاجتماعيَّة؛ لتتحوَّل مائدة الإفطار إلى لقاءٍ اجتماعيٍّ سنويٍّ ينتظره الأهالي بشوقٍ، وتبقى جزءًا من تفاصيل الحياة الرمضانيَّة التي يحبُّها النَّاسُ، ويتناقلُونَ ذكرياتها جيلًا بعد جيلٍ.
وتظلُّ الأحياءُ القديمةُ أكثرَ ارتباطًا بهذه العادات، خاصَّةً تلك التي تأثَّرت بالتوسُّعات العمرانيَّة حول الحرم النبويِّ، حيث كانت هذه الأحياءُ تشكِّل نسيجًا اجتماعيًّا متقاربًا بين الجيران والأهل. ورغم انتقال كثيرٍ من السكَّان إلى أحياء أُخْرى، إلَّا أنَّهم يعودُونَ في رمضانَ لاستعادة ذكريات الطفولة، وأيَّامهم الجميلة، فيتحوَّل يوم الإفطار إلى مناسبةٍ تشبه العيد قبل العيد.
كما تشملُ هذه الرُّوح إحياء المدينة التاريخيَّة: أرض محبت، والمغيسلة، والعطن، والمصانع، والحرَّة الغربيَّة بكافَّة أحيائها، حيث تمتزج الذاكرة بالمكان، وتبقى اللقاءات الرمضانيَّة وسيلة لتواصل الأجيال، وربط الماضي بالحاضر في صورة اجتماعيَّة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه.
ومع تطوُّر العمران، وظهور الأحياء الحديثة، أيضًا اكتسبت موائد الإفطار شكلًا مختلفًا، وأصبحت مناسبة للتَّعارف بين الجيران، خاصَّةً في بعض الأحياء التي قد لا يعرف سكَّانها بعضهم بعضًا بشكلٍ كافٍ، فتكون هذه المناسبات فرصةً لمدِّ جسور الأُلفة، وتبادل الأحاديث والأفكار.
وقد سعدتُ للمرَّة الثانية بالمشاركة في إفطار أهل أرض محبت بدعوة كريمة من جاري العميد زيد الصالحي، وكانت أمسيةً مليئةً بالمودَّة والتَّرحيب قبل الإفطار، فالشُّكر موصولٌ لأهل الحيِّ الكرام على كرم الضِّيافة والعادة السنويَّة الجميلة.
الخاتمة:
مجالس الأحياء فكرة جميلة، تؤكد قيمة الترابط الاجتماعي، لكنها تطرح تساؤلًا مهمًّا: لماذا يزداد النشاط الاجتماعي في رمضان فقط؟ أليس من الأجمل أن تستمر هذه المبادرات طوال العام؛ لتبقى المحبَّة والمودَّة بين النَّاس حاضرةً في كلِّ الأوقات؟
