الإعلام بين رفع الأسعار وحماية المستهلك في مواسم الأضاحي

للإعلام دور مؤثر في صناعة التوازن داخل الأسواق، خصوصًا في المواسم السنوية الكبرى، ومن أبرزها موسم عيد الأضحى المبارك، حيث يحرص المسلم على شراء أضحيته تقربًا إلى الله واقتداءً بسنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
هذا الحرص الموسمي خلق حركة اقتصادية كبيرة في سوق المواشي، لكنه في المقابل فتح باب المنافسة السعرية بصورة تجاوزت أحيانًا حدود المنطق، حتى وصلت إلى استغلال المناسبة والظرف الديني، مما أثقل كاهل كثير من الأسر البسيطة التي لا تملك القدرة على تربية المواشي أو الاكتفاء الذاتي بعيدًا عن الأسواق.
ومنذ بدايات التغطيات الإعلامية المكثفة لأسعار الأضاحي، خصوصًا عبر الصحافة سابقًا، بدأت تتشكل صورة ذهنية لدى الباعة والمستهلكين معًا. وأذكر من أوائل ما أثير إعلاميًا الحديث عن وصول أسعار بعض الأضاحي في الرياض إلى قرابة 2000 ريال، وهو ما أثار حينها الاستغراب والتذمر، قبل أن تنتقل موجة الأسعار تدريجيًا إلى مختلف المناطق والمحافظات والمراكز.
واليوم، ومع تعدد وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وبرامج التواصل، أصبحت المسؤولية أكبر وأكثر تأثيرًا. فكما ساهم الإعلام — بقصد أو دون قصد — في تسليط الضوء على الأسعار المرتفعة، فإنه قادر كذلك على توجيه الاهتمام نحو الأسواق والمواقع التي تقدم أسعارًا عادلة ومنافسة، وتخدم شريحة واسعة من المسلمين.
كما أن إبراز النماذج الإيجابية من المربين والتجار المعتدلين يسهم في خلق حالة من التوازن، ويحد من جشع بعض تجار الأعلاف والمواشي، ويمنح المستهلك فرصة للمقارنة والاختيار، مما يساعد على كبح الارتفاعات غير المبررة والوصول إلى سوق أكثر عدالة يخدم جميع الأطراف العاملة فيه .
بين تاجر المواشي والإعلام والمستهلك تتحرك الأسعار صعودًا وهبوطًا، وكأن السوق لا تحكمه الأرقام وحدها بل تحكمه أيضًا الكلمة والصورة والانطباع.
فعندما يركز الإعلام على ارتفاع أسعار الأضاحي، يبدأ بعض التجار بمراقبة بعضهم البعض، وكل تاجر يخشى أن يبيع بسعر أقل من غيره، فتتسابق الأسعار إلى الأعلى. ثم يأتي المستهلك المستعجل، مثل “عيد سعيد”، فيندفع للشراء خوفًا من زيادة جديدة، فيتحول خوفه وحماسه إلى رسالة غير مباشرة للسوق بأن الناس مستعدة للدفع مهما ارتفع السعر، فيزداد العبء على البسطاء والمحتاجين للتضحية.
لكن المشهد تغيّر عندما غيّر المستهلك طريقته.
خرج “عيد سعيد” هذه المرة وهو يقول:
“الحقوا… لقيت تاجر يبيع أقل من سعر السوق.”
هنا تبدلت حركة السوق بالكامل.
بدأ المستهلك يتجه نحو الأرخص والأجود، وسمع التجار أن المشترين لم يعودوا يقبلون بأي سعر، بل يبحثون ويقارنون وينتقلون لمن يبيع بإنصاف. عندها تحركت المنافسة الحقيقية، وانخفضت الأسعار خوفًا من خسارة الزبائن، بعدما كانت ترتفع بسبب الخوف والطمع والاستعجال.
الإعلام هنا لعب دورًا مختلفًا؛
فبدل أن يكون ناقلًا للقلق والمبالغات، أصبح أداة توعية وتحريك للمنافسة العادلة، فاستفاد المستهلك، واضطر السوق للتوازن.
فالأسواق لا يغيّرها التاجر وحده، ولا الإعلام وحده، بل يغيّرها وعي المستهلك أيضًا.
والمستهلك الواعي حين يبحث ويقارن ولا يستعجل، يستطيع أن يخفف الغلاء أكثر من ألف شكوى
