من حلم التملك إلى رهن العمر
في الماضي كانت ملكية العقار أكثر ارتباطًا بالأرض ذاتها، وكان فرز العقارات وتقسيم الملكيات وإدخال الشركاء يخضع لقيود وتنظيمات تحد من انتشار الملكيات المجزأة. وكان رب الأسرة إذا امتلك أرضًا سعى إلى بنائها وتوسعتها بما يكفي لأبنائه وأسرته على المدى الطويل.
ومع تطور السوق العقارية وظهور نماذج جديدة للتطوير والتمويل والتسويق، تغيرت طبيعة المنتج العقاري. فلم يعد التركيز على امتلاك الأرض بقدر ما أصبح على بيع الوحدات السكنية الجاهزة والمنتجات التمويلية المرتبطة بها. ونتج عن ذلك انتقال جزء كبير من القوة السوقية من المالك الفرد إلى المطور العقاري والممول والمسوق.
وأصبح الباحث عن السكن يجد نفسه أمام خيارات محدودة؛ فبدل أن يشتري أرضًا ويبنيها وفق احتياجاته وإمكاناته، يتجه إلى شراء وحدة سكنية جاهزة بقيمة مرتفعة ممولة على فترات طويلة قد تمتد إلى عشرين أو خمس وعشرين سنة. وخلال هذه المدة يظل ملتزمًا بأقساط شهرية تستنزف جانبًا كبيرًا من دخله أملاً في تحقيق الاستقرار السكني.
المشكلة لا تكمن في التمويل العقاري بحد ذاته، فهو أداة يحتاجها كثير من الناس، وإنما في تحول السكن من حاجة أساسية إلى التزام مالي طويل الأجل قد يصبح عبئًا ثقيلًا عند تغير الظروف المعيشية أو فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل. ففي هذه الحالة يجد المستفيد نفسه بين خيارين أحلاهما مر: الاستمرار في تحمل التزامات قد تفوق قدرته، أو خسارة ما دفعه والعودة إلى نقطة البداية.
لقد كان كثير من الناس يظنون أن الانتقال من الإيجار إلى التملك هو نهاية المعاناة مع السكن، لكن الواقع أظهر أن بعضهم انتقل من ضغوط المؤجر إلى ضغوط الالتزامات التمويلية طويلة الأمد. وبين هذا وذاك يبقى السؤال الأهم: هل نجحت السياسات العقارية في جعل السكن أكثر يسراً للمستهلك النهائي، أم أنها جعلته أكثر ارتباطًا بمنظومة تمويلية طويلة ومعقدة؟
إن نجاح أي سوق عقارية لا يقاس بحجم الصفقات ولا بعدد الوحدات المباعة، بل بقدرة الأسرة المتوسطة على الحصول على سكن ملائم دون أن ترهن جزءًا كبيرًا من عمرها ودخلها لسداد التزامات قد تستمر ربع قرن او اكثر .