• ×
الخميس 30 صفر 1448 | منذ يوم
admin

العقل ميزان الإنسان في مواجهة الانفعال والتحريض

image
يتحدث كثيرون اليوم عن أنظمة القيادة الذاتية للمركبات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وكأنها تمثل ذروة ما وصل إليه الإنسان من قدرات معرفية وتقنية. غير أن أعظم منظومة ذكية عرفتها البشرية تظل ذلك العقل الذي وهبه الله للإنسان منذ خلق آدم عليه السلام.

فالعقل البشري يكتسب الخبرات، ويتأثر بالجينات الوراثية، ويتغذى باستمرار على ما يحيط به من معارف وتجارب ومواقف يومية، فيمنح الإنسان القدرة على التمييز واتخاذ القرار وإدارة شؤون حياته في يقظته، كما يتولى تنظيم أهم وظائف الجسد أثناء النوم دون تدخل إرادي.

يسير هذا العقل وفق السنن التي أودعها الله فيه، غير أن الإنسان قد يحسن استثمار وقته وإدارة انفعالاته، وقد يرهق نفسه بتعدد المهام وتراكم الضغوط والانشغال عن أساسيات الحياة، فتضعف قدرته على التركيز وضبط ردود أفعاله.

وعندما يشتد الغضب أو تتزايد الضغوط النفسية، قد يتراجع حضور التفكير المتزن، وتغلب الانفعالات على الأحكام، فيقول الإنسان ما لا يقصده، أو يكتب ما لا يعبر عن حقيقته، ثم يندم حين يستعيد هدوءه واتزانه.

ولهذا نشاهد أحيانًا أشخاصًا عُرفوا بالحكمة والخبرة والقدرة على إدارة المؤسسات والأعمال والأزمات، لكنهم عند تعرضهم لاستفزاز متكرر أو صدمة مفاجئة قد تصدر منهم تصرفات لا تنسجم مع شخصياتهم المعتادة.

ومن هنا، فإن الحكمة لا تكمن في تتبع زلات الغاضبين، ولا في استدراجهم إلى لحظات الانفعال، بل في احتواء المواقف وتهدئة النفوس حتى تستعيد قدرتها على التفكير السليم.

وليس من المروءة أن يسعى بعض الأشخاص إلى إثارة الخلافات أو تأجيج المشاعر أو دفع رموز المجتمع وأصحاب المكانة إلى الغضب، بقصد انتزاع كلمات أو مواقف يمكن استغلالها لتحقيق مصالح شخصية أو مكاسب مؤقتة. فتعمد التحريش بين الناس، ونقل الكلام بغير مقصده، واستثمار لحظات الضعف الإنساني؛ سلوك يهدم الثقة ويزرع الفرقة ويقوض تماسك المجتمع.

وفي المقابل، لا ينبغي لأي شخص أن يزج بنفسه في نقاشات لا تعنيه مباشرة، أو أن يتبنى الدفاع عن قضايا لم يُذكر فيها بالاسم ولم يكن طرفًا فيها. فالتسرع في تفسير المقصود، أو افتراض أن كل حديث عام موجه لشخص بعينه، قد يوقع صاحبه في الحرج، ويفتح أبوابًا للجدل لا طائل منها.

إن المجتمعات الواعية لا تُبنى على تصيد الأخطاء، ولا على تأجيج الخلافات، بل تقوم على حسن الظن، والتثبت، واحتواء الأزمات، وإطفاء أسباب الفتنة قبل اتساعها.

فالحكمة الحقيقية ليست في الانتصار للنفس وقت الغضب، وإنما في المحافظة على العلاقات، وصون الكلمة، وحماية المجتمع من كل ما يهدد وحدته وتماسكه .
بواسطة : admin
 0  0  31
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

الحقوق محفوظة @ hopish.net