• ×
الأحد 3 ربيع الأول 1448 | منذ 4 يوم

الأعضاء

الأعضاء:8

الأعضاء الفعالون: 1

انضم حديثًا: هيمو

المتواجدون الآن: 65

أكثر تواجد للأعضاء كان 985 ، يوم 47-04-13 الساعة 02:44 مساءً

( 0 عضو 65 زائر )

ما وراء الحرف

-

ما وراء الحرف

image

image

يكتب لمن يقرأ له، وكل حرف يحمل رسالة أدبية وعلمية وتوجيهية وإصلاحية من الدرجة الأولى؛ قد يكون مقصدها تعديل سلوك، أو صناعة عطاء، أو رفع حرج، أو إنصاف مظلوم، أو تنظيم صف، أو تلطيف أجواء، أو إعادة شيء من الهدوء إلى موضع أثقلته الخصومة.

لكن خلف هذه الحروف إنسان. إنسان لا يكتب ليقال عنه إنه كاتب، ولا يتحدث عن نفسه في مقام الواعظ أو المصلح، وإنما يكتب لأنه يؤمن أن للكلمة أثرًا، وأن بعض المواقف لا تحتاج إلى ضجيج بقدر ما تحتاج إلى كلمة صادقة تُقال في وقتها، وبالقدر الذي يحفظ للناس مقاماتهم وكرامتهم.

ومن هنا، قد يتوقف القارئ قليلًا عند صاحب هذه الكلمات؛ لا ليقرأ سيرة رجل يمدح نفسه، وإنما ليحاول أن يتعرف إلى الإنسان الذي اختار أن يجعل من قلمه وسيلة للحضور، ومن حضوره بابًا للمحبة، ومن محبته للناس دافعًا لأن يقول ما يراه نافعًا، ولو لم يكن في قوله مكسب شخصي.

هو رجل متواضع بطبعه، محب للناس، قريب من تفاصيل مجتمعه، يرى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقوله عن نفسه، وإنما بما يتركه في نفوس الآخرين من أثر.

لا يبحث عن تصدّر دائم، ولا يرى أن الحضور يعني أن يكون في مقدمة كل مشهد؛ فبعض المواقف تحتاج إلى متقدم، وبعضها تحتاج إلى متأنٍ، وبعضها لا تحتاج إلا إلى رجل يعرف كيف يضع الكلمة المناسبة في الوقت المناسب.

ولذلك تأتي كتابته أحيانًا هادئة، وأحيانًا مباشرة، وأحيانًا تحمل شيئًا من الحزم؛ لكنها في جوهرها محاولة لأن يكون للحرف وظيفة تتجاوز لحظة نشره.

فإن وجد القارئ في كلمة ما ما يدفعه إلى مراجعة سلوك، فقد أدت الكلمة رسالتها.

وإن وجد فيها ما يخفف عنه حرجًا، فقد بلغت مقصدها.

وإن وجد فيها إنصافًا لإنسان، أو إصلاحًا لعلاقة، أو دعوة إلى عطاء، أو طريقًا للخروج من خلاف؛ فقد تجاوزت الكلمة حدود الورق والشاشة إلى حيث ينبغي أن تكون: في حياة الناس.

وهنا تتضح قيمة الكتابة عندي. فأنا لا أريد للكلمة أن تكون مجرد حضور في فضاء مزدحم بالكلمات، ولا أن تكون بحثًا عن إعجاب عابر أو تفاعل مؤقت؛ بل أريدها أن تكون إضافة إلى فكر القارئ، أو إلى وعيه، أو إلى أخلاقه، أو إلى علاقاته، أو حتى إلى قدرته على رؤية الأمور من زاوية أكثر اتزانًا.

وأؤمن أن أجمل ما يمكن أن تفعله الكتابة ليس أن تجعل الناس يتحدثون عن الكاتب، وإنما أن تجعلهم يتحدثون عن الفكرة، ثم يعملون بها.

ولهذا أحاول أن أكتب بما يجعل القارئ بعد القراءة شيئًا أفضل مما كان عليه قبلها؛ ولو بفكرة واحدة، أو شعور واحد، أو قرار صغير، أو نظرة أكثر رحمة إلى إنسان آخر.

فإذا استطاعت كلمتي أن تُصلح قلبًا، أو تحفظ علاقة، أو ترفع ظلمًا، أو تفتح باب عطاء، أو تمنح إنسانًا قدرًا من الطمأنينة؛ فقد بلغت غايتها.

وعندها لا يهمني كثيرًا أن يُذكر اسمي. يكفيني أن يبقى أثر الكلمة؛ فالأسماء قد تُنسى، والمنشورات قد تختفي، والتفاعل قد ينتهي، لكن الكلمة التي غيّرت في إنسان شيئًا إلى الأفضل، قد تعيش أطول من صاحبها.

وهذا، في النهاية، هو المعنى الذي أريد أن تبلغه كتابتي: أن أكون بين الناس محبًا في حضوري، متواضعًا في موقفي، صادقًا في كلمتي، نافعًا في أثري؛ وأن أترك من ورائي ما يجعل وجودي، ولو قليلًا، سببًا في أن تكون الحياة أجمل.

عيد سعيد
بواسطة : ما وراء الحرف
 0  0  6
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

الحقوق محفوظة @ hopish.net