حين تتحول الخلافات الأسرية إلى باب استنزاف ومصالح

استغلال حاجة الرجل أو استثمار خوفه على استقرار أسرته لا يصدر في الغالب إلا من ضعف في النفس أو نقص في المروءة، سواء صدر من طرف داخل العلاقة أو من أطراف تتكسب من تضخيم الخلافات وإدارتها لمصالحها. فهناك من ينظر إلى الخطأ بوصفه مساحة إصلاح وحكمة، وهناك من يحوله إلى فرصة ابتزاز مادي تُلبس بأسماء مختلفة كـ “ترضية” أو “إثبات حسن النية”، حتى تتحول العلاقة إلى مسار استنزاف متكرر لا ينتهي.
ومما زاد هذه الظاهرة اتساعًا، تحويل بعض الخلافات الأسرية إلى مجال للمنفعة، وتجاوز بعض المتصدرين للإرشاد أو المتابعين للقضايا حدود الأمانة والحياد، فأصبح التركيز عند البعض على تضخيم الإشكال لا احتوائه، وعلى تحقيق المكاسب لا ترميم الروابط، ولو كان الثمن تفكك أسرة كانت قائمة على المودة والستر. كما أسهمت بعض الطروحات الإعلامية والمجتمعية في إعادة تشكيل المفاهيم، حتى صار الصبر والتغاضي يُفسَّر عند البعض ضعفًا، وارتفعت سقوف المطالب إلى درجة تُخرج العلاقة من إطار الشراكة إلى منطق المغالبة.
والزواج في أصله سكنٌ ومودةٌ واستقرار، لا ساحة نزاع أو تصفية حسابات. وحين تُدار العلاقة بمنطق الضغط والمقابل، تتعطل مقاصدها، ويظهر أثر ذلك في نفور بعض الرجال أو ترددهم، كما أن المبالغة في رفع التوقعات وتقليل قيمة الصبر والتفاهم ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة والمجتمع، ويفتح بابًا لاضطراب العلاقات بدل بنائها.
وعند وقوع الخلاف، تبقى الحكمة في حفظ التوازن؛ فلا اندفاع تحت ضغط الاستفزاز، ولا استجابة لابتزازٍ مالي أو عاطفي، وفي المقابل لا تفريط في الحقوق ولا ظلم. فالقوة ليست في القسوة ولا في الاستسلام، وإنما في الهدوء الرصين، والعدل، والالتزام بالحقوق دون إفراط أو تفريط.
لذلك، لا تجعل الخلافات مدخلًا لاستنزافك أو كسر كرامتك، ولا تسمح بتحويل حياتك الأسرية إلى أداة بيد من يبحث عن مصلحته. أصلح ما استطعت، وأمسك بزمام بيتك بالحكمة، فإن تعذر الوفاق فالفراق يكون بإحسان، بعيدًا عن التشهير والانتقام وتغذية النزاعات، واحتكامًا للإنصاف لا لمصالح من يتاجرون بالخلافات.