حين يتأخر الزواج بين الخوف والانشغال

كثير من الأسر يرزقهم الله بالبَنات، فيجتهدون في تربيتهن وتعليمهن، وتمضي السنوات عامًا بعد عام، حتى يصبح التركيز الأكبر على الدراسة وبناء المستقبل الوظيفي، بينما يُؤجل التفكير في الزواج إلى ما بعد التخرج والاستقرار الوظيفي.
ولا خلاف أن التعليم والوظيفة أمران مهمان، لكن الزواج أيضًا حاجة فطرية واستقرار نفسي واجتماعي لا يقل أهمية عن بقية متطلبات الحياة. فكم من فتاة تقدّم بها العمر وهي تنتظر فرصة مناسبة كانت قريبة منها يومًا ما، لكنها تأجلت مرارًا بحجة “الوقت ما زال مبكرًا”.
ثم بعد التخرج تبدأ رحلة الوظيفة والانشغال بها، وتنشغل الأسرة بواقع الحياة ومتطلباتها، ويقل السعي الحقيقي للبحث عن الزوج الكفء، أحيانًا خوفًا من تجارب الآخرين أو من كلمات قد تُقال عند الخلاف.
ومثل هذه الأمور لا ينبغي أن تجعل بعض الأسر تتردد في أداء دورها تجاه بناتها، فالأصل أن الأب والأم شريكان في إعانة أبنائهم وبناتهم على بناء حياة مستقرة واختيار الإنسان المناسب خلقًا ودينًا وقدرةً على تحمّل المسؤولية.
فالأب له دور عظيم في السعي والتوجيه وتسهيل أمور الزواج، والأم كذلك لها أثر كبير بحكم قربها من بناتها وفهمها لطبيعة حياتهن واحتياجاتهن. وليس من العدل أن تُبنى القرارات على المخاوف وحدها أو على إسقاط تجارب خاصة على جميع الناس، فالحياة لا تخلو من التحديات، وكل بيت يمر بظروف وضغوط ومسؤوليات، لكن التفاهم وحسن الاختيار والتعاون تصنع الفارق بعد توفيق الله.
وكذلك الشاب المقبل على الزواج، من المهم أن يكون حاضرًا بنفسه، واضحًا في رغبته، قريبًا من والد الفتاة، يعرفه بنفسه وأخلاقه وطموحه، فذلك أدعى للقبول والطمأنينة. فكثير من الزيجات لا تتم بسبب ضعف التواصل الرسمي أو الاكتفاء بنقل الرغبة عبر الأمهات فقط، بينما حضور الأب مع ابنه ووضوح الجدية يترك أثرًا مختلفًا لدى أهل الفتاة.
أما الفتاة، فمن حقها أن تتأنى وتحسن الاختيار، لكن من المهم أيضًا ألا يتحول انتظار “فارس الأحلام” أو المبالغة في المواصفات إلى سبب في ضياع الفرص المناسبة. فالزواج في أصله مودة ورحمة وشراكة حياة، وليس قائمة مثالية يصعب تحققها. وإن كان في القلب رغبة بشخص معيّن، فالأولى أن يكون الطريق واضحًا ورسميًا، فالبيوت تؤتى من أبوابها.
وفي الحقيقة، كثير من حالات تأخر الزواج لا يكون سببها طرفًا واحدًا، بل قد تكون نتيجة اختلاف وجهات النظر داخل الأسرة نفسها؛ فما يراه الأب مناسبًا قد لا تراه الأم كذلك، والعكس صحيح، وتبقى الفتاة أحيانًا صامتة حياءً أو احترامًا، حتى يفوتها الكثير من الوقت.
لذلك، من أجمل ما يقدمه الوالدان لبناتهم بعد التربية الحسنة، أن يُعينوهُن على الزواج، ويُيسروا أمر من يتقدم لهن بالكفاءة والخلق، وأن يتعامل الجميع مع هذا الملف بروح التعاون والحكمة بعيدًا عن التشدد أو التعقيد، فبناء الأسر المستقرة من اعظم اسباب الطمئنينه للمجتمع كله .