حين يصبح القريب أبعد من الغريب

ينتقد كثير من الناس أولئك الذين يقسون في تعاملهم مع أقاربهم، ويُعرفون بحدّة الطبع وغلظة الأسلوب مع من تجمعهم بهم صلة دم أو رحم،
بينما يظهرون مع الغرباء بوجهٍ أكثر لطفًا واتزانًا. فتراه مع القريب سريع الانفعال، شديد العتاب، قاسي الكلمة، وكأن المسافات القريبة أخرجت أسوأ ما فيه، بينما يراه البعيد شخصًا خلوقًا كريم المعشر حسن التعامل.
وحين يُذكر اسمه بين الناس، تتباين الآراء حوله؛ فمنهم من يمدحه، ومنهم من يرى أن ذلك المديح لا يتجاوز المجاملة، لأن الإنسان — في نظرهم — يُعرف أولًا في بيته وبين أقاربه، لا في المجالس العابرة والعلاقات المؤقتة.
لكن بعيدًا عن الأحكام السريعة، يبقى سؤال يستحق التأمل:
ما الذي أوصل هذا الإنسان إلى هذه المرحلة؟
كيف يتحول شخص كان يومًا قريبًا، ودودًا، محسنًا، إلى إنسان جافّ المشاعر، ثقيل الحضور على أقرب الناس إليه؟
أحيانًا لا يكون التغيّر وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الخذلان، وسوء الفهم، وكثرة التنازلات غير المقدّرة، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة يفقد فيها رغبته في المحاولة، ويتحوّل الصمت داخله إلى قسوة، والعتب إلى جفاء.
فبعض الناس لا يبتعد لأنهم لا يحملون خيرًا، بل لأنهم تعبوا من استنزاف مشاعرهم في علاقات لم تحفظ لهم قدرًا، ولا موقفًا، ولا حتى كلمة طيبة عند الحاجة.
وهذا لا يبرر الخطأ ولا يمنح القسوة حقّها، لكنه يفتح بابًا أوسع للفهم قبل الإدانة، وللإنصاف قبل إطلاق الأحكام.
فليس كل جافٍ سيئًا بطبعه، ولا كل مبتسمٍ نقيّ القلب. فالناس تخفي خلف تصرفاتها حكايات طويلة لا نعرف منها إلا ما يظهر على السطح .